أحمد بن محمد ابن عربشاه
287
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال يسار : اعلم يا خير سار إن حبال الآمال ومطامع الخيال ، ما لم تتعلق بمأمول ، ولم ترتبط بأطراف سول ؛ فالنفس ساكنة والروح مطمئنة هادنة والقلب فرح والخاطر منشرح ، إذ الطمع ذل وشين ، واليأس إحدى الراحتين ، ومتى تعلقت بذيل المطامع مخاليب الآمال ، وبلغت إلى حصول مأمول الخيال وقامت النفس في تحصيله وتحركت الجوارح لنيل مأموله ، وانبعثت الهمة إلى إدراكه ، وتعلق القلب بسير أفلاكه ، توزعت الأفكار وتفرقت وتمزعت وركب لذلك كل صعب وذلول ، وتقاذفت النفس في كل مخوف ومهول ، وتقلدت بحمائل قول القائل : إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأوّل ما يجنى عليه اجتهاده ثم إذا لم يحصل المأمول ولم تبلغ والعياذ بالله النفس السول ، مع بذل الجهد والمبالغة في السعي والكد ومقاساة ومعاناة النصب ؛ ترادف النكد وتضاعف السهد ، وصارت النفس لهذا البدد وكان في جيد حياتها من فوات المقصود حبل من مسد ، فلا تزال بين تشويش ضمائر وتقسيم خاطر وفكر غائب وهم حاضر ، وهذا الأمر الذي عزمت عليه وهممت بالترقى إلى الوصول إليه ، إلى عدم الحصول أقرب منه إلى الوصول ، وأنا أخاف وذا غير خاف أن يغرنا الطمع في هذه الحركة فينتزع من فراغ أوقاتنا البركة ، ولا نحصل إلا على مثل ما حصل لمالك الحزين من السمكة : قال الزنيم : نبئنى أيها العليم بذلك المثل القويم . [ 44 ] [ مالك الحزين والسمكة : ] قال : بلغني إنه في مكان مكين مأوى لمالك الحزين ، وفي ذلك المكان غياض وغدرات تضاهى رياض الجنات : حكى بأنّها قد الحبيب تمايلا * فجن وفي هذا الجنون تفننا فدار عليه النهر وهو مسلسل * فقيده إذ قد جنى وتجننا